Ibrahim Mahmoud
📌
فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا
... كان قارون رجلًا من قوم سيدنا موسى عليه السلام، وكان في بدايته شخصا عاديًّا من بني إسرائيل، يعيش بين قومه لا يُعرف له شأن، ولا يملك من الدنيا شيئًا يُذكر. لكن الله تعالى رزقه رزقًا واسعًا، وفتح له أبواب المال والغنى حتى فاضت خزائنه بالذهب والفضة، وتكاثرت صناديقه حتى أصبحت مفاتيحها وحدها تُثقِل كاهل الرجال الأقوياء، فلا يستطيعون حملها مجتمعين.
عاش قارون في ترفٍ وبذخٍ لا حدَّ له، يسكن القصور، ويخدمه العبيد، وتُحيط به النعمة من كل جانب. لكنه بدل أن يشكر المنعم، أعماه الغنى، واستبدَّ به الكِبر، حتى طغى على قومه وبغى عليهم، فظلمهم وأخذ حقوقهم، وازداد فخرًا بنفسه.
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
> «إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ، وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ»
أي أن مفاتيح خزائنه كانت تُرهق الجماعة من الرجال الأشداء، وتعجز قوتهم عن حملها من ثِقلها وكثرتها.
رأى قومه ما آل إليه من كِبرٍ وغرور، فنصحوه بالحكمة والرفق قائلين له:
> «لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ».
أي لا تبطر بمالك، ولا تتكبر بما أوتيت، بل استعمل نعمة الله في الخير، وتذكّر أن المال وسيلة لا غاية.
لكن قارون ازداد عُتوًّا وقال في كبرياءٍ أعمى:
> «إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي»
أي نلت هذا المال بجهدي وذكائي وحيلتي، لا بفضلٍ من الله. فأنكر مصدر النعمة، وكفر بالمنعم.
ثم خرج قارون ذات يوم على قومه في موكبٍ عظيم، تحيط به المراكب الفاخرة، والملابس الفاخرة المطرزة بالذهب، تتقدمه صفوف الخدم والجنود، وتتبعه أنغام الطبول والأبواق. كان مشهدًا مهيبًا مدهشًا أبهر الأبصار، حتى قال ضعفاء القلوب من قومه:
> «يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ، إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ».
لكن العلماء وأهل البصيرة ردّوا عليهم بقولهم:
> «وَيْلَكُمْ، ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ».
أي أن ما عند الله خير وأبقى من زينةٍ زائلة، وأن الصبر والإيمان خير من كنوز الدنيا.
بلغ الغرور بقارون أن تجرّأ على نبي الله موسى عليه السلام، وراح يُكذّبه ويزعم أنه أفضل منه بماله. وروي أن قارون أعطى امرأة فاجرة مالًا كثيرًا لتتهم موسى أمام الناس بأنه ارتكب الفاحشة بها، فاجتمع الناس، ووقفت المرأة تقول ما لقّنها قارون.
فسألها موسى عليه السلام بلينٍ وصدق: «من أمرك بهذا؟»
فبكت وقالت: «قـارون هو من أغراني بالمال». فاستغفرت ربها وتابت.
عندها رفع موسى يديه إلى السماء ودعا ربه أن ينتقم من الظالم، فأوحى الله إليه: «يا موسى، قد أمرتُ الأرض أن تطيعك فيه». فقال موسى:
> «يا أرضُ خُذيه».
فبدأت الأرض تبتلع قارون وداره وكنوزه شيئًا فشيئًا، وهو يصيح ويستغيث، فلا يُجاب. ظل يخسف فيه حتى غاب هو وأمواله في جوف الأرض، كما قال الله تعالى:
> «فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ، فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ».
حين رأى الناس ما جرى، أدركوا أن الثراء ليس دليل رضا الله، وأن المال بلا شكرٍ يكون فتنةً وهلاكًا. فقال الذين تمنّوا مكانه بالأمس:
> «وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ، لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا».
فعرفوا أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الكبرياء سبب الهلاك، كما أهلك قارون ماله وداره ونفسه.
وهكذا طُويت صفحة رجلٍ كان يومًا من أغنى أهل الأرض، ثم صار عبرةً للأغنياء والمتكبرين في كل زمان، وبقيت قصته تذكيرًا بأن الغنى لا يرفع من شأن صاحبه إذا خلى من الشكر والتواضع، وأن الله يمهل ولا يهمل.
اذا أتممت للقراءة اذكر النبي بالصلاة
_ليصلك كل جديد
14/03/2025
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد
Click here to claim your Sponsored Listing.
Category
Telephone
Website
Address
Cairo